ساسي سالم الحاج

53

نقد الخطاب الاستشراقي

أمّا المبشر الآخر فهو أقل حظا من القديس « فرنسيس » ونعني به « ريمون لل Raymon Lull » الذي كان يتقن هو الآخر اللغة العربية ، ووقف على تبشير المسلمين والعمل على تنصيرهم ، ورحل إلى الجزائر ، وهناك عقد ندوة في مدينة بجاية عام 1307 م ناقش فيها فقهاء المسلمين وحاول التأثير عليهم ، واستعمل اللغة العربية في مناظراته ، وكان مثار إعجاب مناقشيه إلّا أن النتيجة كانت في غير مصلحته . ومع ذلك لم ييأس هذا المبشر من نجاح مشروعاته فاتجه إلى الحكام طالبا منهم تأسيس مدارس تعلّم - لغة الملحدين - حسب تعبيره ويعني بذلك المسلمين . وبالرغم من فشل مشروعه هذا فإنه تمكن في النهاية من إقناع الملك « جيمس الثاني » عام 1276 م بإنشاء مدرسة في مدينة « ميرامار » في الشمال الشرقي من جزيرة « ميورقة » لتدريب المبشرين وتعليمهم اللاهوت واللغات الشرقية ودأب هذا المبشر على عمله بعزيمة لا تعرف الكلل والملل حتى لاقى حتفه بالجزائر نتيجة استفزازه للمسلمين « 1 » . لعبت إسبانيا وصقلية دورا بارزا في نشوء الاستشراق الذي ارتكز في أسسه على التبشير ، ولكن سياسة العنف التي انتهجتها إسبانيا المسيحية ضد المسلمين ، وبداية محاكم التفتيش لأعمالها الظالمة ، وقيام الكاردينال « خمينس دي سينروس » بارتكاب أكبر حماقة في تاريخ الثقافة الإنسانية وهو جمعه للتراث العربي الإسلامي وحرقه في ميدان عام ، ولم يستثن منه إلّا ثلاثمائة من كتب الطب والعلوم . فقد خبت الدراسات الإسلامية هناك بعد أن كانت لقرون عديدة مركز إشعاع لهذه الدراسات . فتلقفت فرنسا الكرة ، وركزت على دراسة العربية والعلوم الإسلامية ، وكان السبب الرئيس الدافع إلى ذلك هو التبشير الذي حمل لواءه ، وبشكل مثير ، المبشر والمستشرق الفرنسي الشهير « جيّوم بوستيل » المولود عام 1510 م بفرنسا الذي كان يمتاز بذكاء نادر ، وبمقدرة عجيبة على تعلم اللغات الأجنبية ، فقد أتقن اللغات التركية ، والعربية ، والعبرية ، والحبشية . وفي عام 1539 أصدر كتابه الشهير « النحو العربي » وقد أشار في مقدمة كتابه هذا إلى أهمية اللغة العربية باعتبارها لغة عالمية ، ومعرفتها ضرورية لتوطيد العلاقات مع الشعوب التي تتحدثها ، كما أن أهم المؤلفات العلمية والأدبية مدوّنة بها ، فلا يستطيع المثقف أو الأمة التي تبتغي إنشاء حضارة راقية الاستغناء عنها . والأهم من هذه الأسباب مجتمعة هو أن من يملك ناصية هذه اللغة - يستطيع حسب قوله - أن يبقر

--> ( 1 ) د . الشيال ، المرجع السابق ، ص 84 .